رسام الكاريكاتير…

ما الذي نتخيله فور سماع هذه المهنة؟ ربما رجل بأكمام مطوية للكوعين محدب فوق طاولة، يحمل قلم حبر. وربما نفكر بناجي العلي وشخصية حنظلة. أو بآخر صفحات الجريدة.

لكن – في الغالب – لا يتبادر بأذهاننا صورة امرأة رسامة للكاريكاتير.

سارة النومس تثبت بأن هذا ليس من المستحيل.

وصلت النساء العربيات في يومنا هذا – بالرغم من أننا ما زلنا نبعد أشوطاً طويلة عن تثبيت جميع حقوقنا – إلى آفاق جديدة تستحق التقدير والإحتفاء.  تحدثنا سابقاً عن ثلاثة نساء سعوديات يكسرن الحواجز الإجتماعية في مجالهن.

واليوم حوارنا مع سارة النومس، رسامة كاريكاتير كويتية تعمل بجريدة الراي الكويتية وهي في الآن ذاته جيولوجية ضمن مجموعة الاستكشاف بشركة نفط الكويت.

لنتعرف على سارة النومس.

 

كيف ومتى بدأ ولعك بفن الكاريكاتير وما هي أول خطواتك نحو ممارسته؟

الرسم متوارث في منزلنا فجميعنا نهوى الفن التشكيلي بشكل عام، ولأن شخصيتي مرحة جداً كانت تجاربي في الكاريكاتير بسيطة جداً في مراحل الدراسة المتوسطة والثانوية، ولكن في فترة الدراسة في جامعة الكويت وجدت نفسي واكتشفتها في الكاريكاتير فعملت كرسامة كاريكاتير في جريدة آفاق الجامعية، مع عملي محررة في جريدة القبس وجريدة عالم اليوم لحبي للصحافة وبعد الجامعة أكملت مشواري الفني حتى أتت الفرصة لأنشر رسوماتي في الصحافة الكويتية في جريدة الراي التي تبنتني كأول رسامة كاريكاتير “إمرأة” تنشر في الصحافة الكويتية.

في نفس الوقت الذي نمى شغفك برسم الكاريكاتير، درست أيضاً الجيولوجيا. لماذا اخترت الجيولوجيا كمجال مهني وما الذي يجمع بينه وبين الكاريكاتير؟

أحب العلوم منذ صغري وحلمي كان بأن أصبح عالمة لذا اتجهت لكلية العلوم، ولكن كانت الجيولوجيا آخر خيار في ذهني لأنني لم أكن أفهم الجيولوجيا ولا أحب الحفظ، جربت جميع أقسام العلوم في الجامعة حتى استقريت في علم الجيولوجيا التي اكتشفت أنها عالم آخر لا يتقبله الجميع وأنا أحب الأمور التي لا يتقبلها جميع الناس ومنها الجيولوجيا. اكتشفت انه علم رائع يعتمد على الخيال والاستنتاج والفن بشكل كبير.

عملت سابقاً معلمة لمادة الجيولوجيا ولكني لم أرتح لهذه المهنة لأنني كنت أنقل معلومة في كتاب وأشرحها ولم يكن هناك مجال للإبداع والبحث. مجال العالم يتطلب منه المزيد من البحث والإستكشاف وتطبيق النظريات في عمله وهذا ما لم أجده في التربية، فاستقلت واتجهت لشركة نفط الكويت في مجموعة الاستكشاف التي تعتمد ١٠٠٪ على الجيولوجيين فكانت هذه فرصتي لتطوير معلوماتي عن طريق البحث والإستكشاف والإبداع.

للوهلة الأولى يبدوان المجالين ليس لهما علاقة ببعضهما لكن مع توضيحك يبدو أن العلم والفن ليسا عالمين مستقلين تماماً. لكن حسب تجربتك، هل هناك صعوبة في الجمع بين خطين مهنيين مختلفين؟

الصعوبة تكمن في الوقت، فعملي في نفط الكويت يأخذ نصف يومي تماماً، ولله الحمد جريدة الراي لا تطلب مني الحضور للعمل يومياً فعملي الكاريكاتوري أقوم به في المنزل. لكني أشعر أحياناً بالتعب فلدي وقت قليل لممارسة الرياضة أو الجلوس مع أسرتي لذلك أجد يوم الجمعة هو اليوم المناسب لراحتي والجلوس مع أسرتي، كذلك تمر علي بعض الاوقات التي أحضر فيها لمعرض كاريكاتوري فأجد ضيقاً كبيراً في الوقت واتمام العمل بسرعة ودون دقة. ربما ستكون إجابتي مفصلة مستقبلاً كوني امرأة غير متزوجة فأرى هذه هي الصعوبات ولكن المرأة المتزوجة والعاملة في مجالين ستزيد عليها الصعوبات أكثر، والحل هو تنظيم الوقت ووضع جدول محدد لإتمام العمل.

لاحظنا أن الرجال يحتلون النسبة العظمى في مجال الكاريكاتير. ما سبب عزوف المرأة عن هذا المجال وما هي ملاحظاتك الشخصية؟

شيء متوقع فأكثر من يتابع رسوماتي رجال كذلك. اهتمامات المرأة تكمن في الموضة والديكور والمنزل والطفل، واذا اهتمت المرأة بالفنون فهي تتجه للتشكيلي والديكور وغيرها. وفي العالم بشكل عام، نادر ما نجد إمرأة ترسم الكاريكاتور. عندما اتجه لعملي في الجريدة فأني آخذ بتعليقات زملائي الرجال فعندما أجلس مع مجموعة من النساء أجد نسبة ضئيلة جداً ممن يطرحن علي أفكاراً كاريكاتيرية أما بالنسبة للرجال فهم يحبون الكاريكاتير ويتجه الرجل أكثر من المرأة لهذا الفن.

شيء مهم الأخذ بالإعتبار هو أن الكاريكاتير فن جريء جداً وبحاجة لمن يطرح رسوماته مع الأخذ بالإعتبار ردة فعل الجمهور التي تكون أحيانا جارحة للفنان.

سارة النومس

من رسومات سارة النومس حول موضوع المخدرات

دائماً ما يستوحى الكاريكاتير من قضايا مجتمعية. ما هي المواضيع التي تعبرين عنها من خلال رسوماتك؟

الرسومات السياسية هي أكثر ما أرسمه في الجريدة واعتمدت عليها أكثر، فنحن كمنطقة عربية وفي الكويت نعاني من المشاكل السياسية. كل يوم نعيش قصة سياسية جديدة ليتحدث الشارع الكويتي عنها لذا أعبر عنها في رسوماتي وتأتي الرسومات الإجتماعية بعدها.

لقد ذكرت في إحدى المقابلات أنك ممتنة لغير الكويتيين لتفهمهم لفن الكاريكاتير. مع مرور الوقت، هل بدأت ترين المزيد من التقدير للكاريكاتير من المجتمع الكويتي الذي له علاقة قديمة مع الفن الساخر بصفة عامة؟

نعم في بدايتي في الفن الكاريكاتوري كان الهجوم علي كثير، ولا ألومهم، فيبقى مجتمعي محافظاً ولا يتقبل وجود امرأة تطرح أفكاراً جريئة برسومات كاريكاتور. فأنا أبقى فنانة أولاً وأخيراً، والفنان الحقيقي لا يتجه للتعصب بل يعيش في بيئته المسالمة التي تلهمه بالأفكار الكثيرة. أول الفنانين المشجعين لي كانوا غير كويتيين من البحرين ومصر وبلاد الشام حتى أنني انضممت لمجموعة من فنانات الكاريكاتور العربيات.

سارة النومس

من رسومات سارة النومس

لا أنسى أول من أخذت توقيعي برسمة من رسوماتي كانت طفلة كويتية صغيرة السن طلبت مني رسمة مع توقيعي في معرض لم أجد فيه من يجامل وجودي فيه، قمت بالتوقيع لها فقالت لي بأنها تنتظر رؤيتي مشهورة جداً في الكويت.

تعرضت للكثير من الانتقادات والسب والقذف بسبب اختصاصي والمفاجأة التي لم أكن اتوقعها هي اتصال جريدة الراي علي وعرض العمل في الصحيفة التي لم أتردد حتى بالتفكير فكانت أمنيتي العمل في جريدة الراي. قامت الراي بمنحي هذه الفرصة العظيمة لتثبت لمجتمعنا أن المرأة قادرة على الوصول حتى لفن الكاريكاتير.

بعد شهرتي التي زادت مع مرور الوقت، تغيرت نظرة مجتمعي لي وأصبح أكثر الناس يشجعونني ولله الحمد، لذا لا أنسى فضل كل شخص أثر بي وساعدني وخاصة الأطفال.

هل ساعدت وسائل التواصل الإجتماعي على زيادة الإهتمام بفن الكاريكاتير؟

بالتأكيد، أكثر عروض المقابلات التلفزيونية والإذاعية والصحفية تأتيني عن طريق زملاء الإعلام المتواجدين في مواقع التواصل الاجتماعي فهذه المواقع عرفت الناس بي أكثر ووفرت جهد السؤال والبحث عني فأنا موجودة وصفحتي موجودة، وأحب التواصل مع الناس والإجابة على أسئلتهم فهم من أسباب نجاحي فلا أحب تجاهلهم أبداً وربما هذا الشيء يميزني أكثر عن بقية المشاهير في الكويت. مواقع التواصل كانت ولا تزال لها الأثر الكبير في نجاحي والحمد لله.

ما الرسالة التي توجهينها لنساء مجتمعنا الكويتي والعربي اللاتي قد يواجهن تيار من التزمت بالعادات قد يكبت بعض الشئ بذرة الأبداع؟

في البداية كنت أشعر بشيء من الغيرة من الرجل وكنت أعتقد بأنه وحده القادر على الوصول لما يطمح إليه بسبب وقوف المجتمع معه ومعاونة المجتمع له. لكنّي اكتشفت فيما بعد أن الصعوبات والحائط المجتمعي المرسوم أمام المرأة هو السبب في الإبداع والنجاح.

لن يشعر الناجح بنجاحه إن أتى بسهولة، وعندما تصبح القناعة كبيرة بأن ما تقوم به المرأة لا يخدش الحياء ولا تؤذي به نفسها وبيتها ومجتمعها فأنصحها بعدم التوقف ومواصلة مشوارها بكل فخر واعتزاز.

الأهم من هذا كله هو ألا نلتفت للتعليقات السلبية والجارحة ولا نترك لأنفسنا مجالاً للغيرة فالغيرة تؤخر النشاط والإبداع. أتمنى من الله أن أرى أخواتي الكويتيات والعربيات في أعلى المناصب فنجاحهن من نجاحي.